ابن حمدون
380
التذكرة الحمدونية
زقاق فيها دوشاب [ 1 ] من البصرة في جملة هدايا حملت إليه ، فقسمها بيننا ، فكلنا أخذ ما أعطي غير الحزامي ، فأنكرنا ذلك وقلنا إنما يجزع الحزامي من الإعطاء وهو عدوه ، فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيّته ، فإنه لو أعطي أفاعي سجستان وثعابين مصر وجرّارات [ 2 ] الأهواز لأخذها إذا كان اسم الأخذ واقعا عليها ، فسألناه عن سبب ذلك فتعصّر قليلا ثم باح بسره فقال : وضيعته أضعاف ربحه ، وأخذه من أسباب الإدبار ، قلت : أول وضائعه احتمال ثقل الشكر ، قال : هذا ما لم يخطر ببالي قطَّ ، ولكن أوّل ذلك كراء الحمّال ، فإذا صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والأرزة والبستندودة ، فإن بعته فرارا من هذا البلاء صيرتموني شهرة ، وإن أنا حبسته ذهب في ذلك وأشباهه وجذب ذلك شراء السمن ، وصار أضرّ علينا من العيال ، فإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الداذيّ والماء ، وإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلفه منها بوجه من الوجوه ، لأنّ خلّ الداذيّ يخضب اللحم ، ويضرّ بالطبخ ، ويفسد الطَّعم ، ويسوّد المرق ، ولا يصلح للاصطباغ ، وإن سلم وأعوذ باللَّه وجاد وصفا ولم نجد بدّا من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه ، فإن قعدت في البيت أشربه لم يكن ذلك إلا بترك سلاف الفارسيّ المعسّل والدجاج المسمّن وجداء كسكر وفاكهة الجبل والنّقل الهشّ والريحان الغضّ من عند من لا ينقص [ 3 ] ماله ولا تنقطع مادته ، وعند من لا يبالي على أيّ قطريه وقع [ 4 ] ، مع فوت المجلس المؤنق والسماع المطرب ، وعلى أني إن قعدت في البيت أشربه لم يكن لي بدّ من واحد ، وذلك الواحد لا بدّ له من لحم بدرهم ، ونقل بطسوج ، وريحان بقيراط ، وهذا كله غرم وشؤم وحرفة وخروج عن العادة ، فإن كان ذلك النديم غير موافق فأهل السجن أحسن حالا منّي ، وإن كان